عبد الشافى محمد عبد اللطيف
185
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ويستغيثون برسول الإسلام نفسه ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلم يعتذر لهم ، لالتزامه مع الأعداء بعهد ولا يصح في دينه نقض العهد . ولم يكن حرص النبي صلّى اللّه عليه وسلم على وفاء المسلمين بعهودهم بأقل من حرصه على الوفاء بعهوده الشخصية وإليك الحادثة الآتية : عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه قال : وما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل ، قال : فأخذنا كفار قريش ، قالوا : إنكم تريدون محمدا ، فقلنا : ما نريده ، ما نريد إلّا المدينة ، فأخذوا منا عهد اللّه وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتلنّ معه ، فأتينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأخبرناه الخبر . فقال : « انصرفا ، نفي لهم بعهدهم ونستعين اللّه عليهم » « 1 » . « ثم يمضي الإسلام في طريقه العلوي ، مع الشرف والكرامة والأخلاق ، فلا يبيح الغدر حتى وهو يخشى خيانة الآخرين ، فلا بد أن يعلنهم بالعداوة ، ويجاهرهم بالحرب ، وينبذ إليهم عهدهم في وضح النهار ، ولا يبيتهم بالغدر وهم منه على أمان ؛ وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [ الأنفال : 58 ] « 2 » . أما إذا التزم الأعداء بالعهد مع المسلمين فيجب على المسلمين الالتزام بالعهد وإتمامه إلى مداه : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [ التوبة : 4 ] . وهكذا وهكذا ، صور وأمثلة كثيرة لوفاء الإسلام والمسلمين بالعهد ، وفي مقدمتهم معلم الإنسانية ورسول الرحمة والسلام عليه الصلاة والسلام . * الإسلام يحترم مبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم : هناك ناحية أخرى مهمة ، في مجال العلاقات الدولية ، أولاها الإسلام عنايته ، وكان للمسلمين فيها تقليد إنساني ؛ تلك هي ناحية احترام المبعوثين السياسيين وحاملي رسائل الأعداء . إذ من المسلم به أن تبادل الرسل والرسائل أمر لا بد منه في أية علاقات دولية . وغني عن القول أن وجود بعثات سياسية دائمة تقيم بصفة مستمرة لكل دولة لدى الدول الآخرى أمر لم يكن معروفا في العلاقات الدولية في الزمان الذي نتحدث عنه . فذلك أمر لم تعرفه العلاقات الدولية إلا في القرون
--> اعتذر لأبي جندل ، عندما طلبوا حمايته مثل أبي بصير . ( 1 ) صحيح الإمام مسلم ( 12 / 144 ) . ( 2 ) انظر سيد قطب - السلام العالمي والإسلام ( ص 194 ) .